ابن كثير

384

البداية والنهاية

ودعبل بن علي ابن رزين بن سليمان الخزاعي ، مولاهم الشاعر الماجن البليغ في المدح ، وفي الهجاء أكثر . حضر يوما عند سهل بن هارون الكاتب كان بخيلا ، فاستدعى بغدائه فإذا ديك في قصعة ، وإذا هو قاس لا يقطعه سكين إلا بشدة ، ولا يعمل فيه ضرس . فلما حضر بين يديه فقد رأسه فقال للطباخ ويلك ، ماذا صنعت ؟ أين رأسه ، قال : ظننت أنك لا تأكله فألقيته ، فقال : ويحك : والله إني لأعيب على من يلقي الرجلين فكيف بالرأس وفيه الحواس الأربع ، ومنه يصوت وبه ، فضل عينيه وبهما يضرب المثل ، وعرفه وبه يتبرك ، وعظمه أهني العظام ، فإن كنت رغبت عن أكله فأحضره . فقال : لا أدري أين هو ؟ فقال : بل أنا أدري ، هو في بطنك قاتلك الله . فهجاه بأبيات ذكر فيها بخله ومسكه . أحمد بن أبي الحواري واسمه ( 1 ) عبد الله بن ميمون بن عياش بن الحارث أبو الحسن التغلبي الغطفاني ، أحد العلماء الزهاد المشهورين ، والعباد المذكورين ، والأبرار المشكورين ، ذوي الأحوال الصالحة ، والكرامات الواضحة ، أصله من الكوفة وسكن دمشق وتخرج بأبي سليمان الداراني رحمهما الله . وروى الحديث عن سفيان بن عيينة ووكيع وأبي أسامة وخلق . وعنه أبو داود وابن ماجة وأبو حاتم وأبو زرعة الدمشقي ، وأبو زرعة الرازي وخلق كثير . وقد ذكره أبو حاتم فأثنى عليه . وقال يحيى بن معين : إني لأظن أن الله يسقي أهل الشام به . وكان الجنيد بن محمد يقول : هو ريحانة الشام . وروى ابن عساكر أن كان قد عاهد أبا سليمان الداراني ألا يغضبه ولا يخالفه ، فجاءه يوما وهو يحدث الناس فقال : يا سيدي هذا قد سجروا التنور فماذا تأمر ؟ فلم يرد عليه أبو سليمان ، لشغله بالناس ، ثم أعادها أحمد ثانية ، وقال له في الثالثة : اذهب فاقعد فيه . ثم اشتغل أبو سليمان في حديث الناس ثم استفاق فقال لمن حضره : إني قلت لأحمد : اذهب فاقعد في التنور ، وإني أحسب أن يكون قد فعل ذلك ، فقوموا بنا إليه . فذهبوا فوجدوه جالسا في التنور ولم يحترق منه شئ ولا شعرة واحدة . وروي أيضا أن أحمد بن أبي الحواري أصبح ذات يوم وقد ولد له ولد ولا يملك شيئا يصلح به الولد ، فقال لخادمه : اذهب فاستدن لنا وزنة من دقيق ، فبينما هو في ذلك إذ جاءه رجل بمائتي درهم فوضعها بين يديه ، فدخل عليه رجل في تلك الساعة فقال : يا أحمد إنه قد ولد لي الليلة ولد ولا أملك شيئا ، فرفع طرفه إلى السماء وقال : يا مولاي هكذا بالعجلة . ثم قال للرجل : خذ هذه الدراهم ، فأعطاه إياها كلها ، ولم يبق منها شيئا ، واستدان لأهله دقيقا . وروى عنه خادمه أنه خرج للثغر لأجل الرباط

--> ( 1 ) أي اسم أبي الحواري والد أحمد . وفي صفة الصفوة اسم أبى الحواري : ميمون .